صديق الحسيني القنوجي البخاري
551
فتح البيان في مقاصد القرآن
عليه السلام : رب أخبرني ما أدنى نعمتك عليّ ؟ فأوحى إليه يا داود تنفس فتنفس ، فقال هذا أدنى نعمتي عليك . إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ لنفسه بإغفاله لشكر نعم اللّه عليه ، وقيل الظلوم الشاكر لغير من أنعم عليه فيضع الشكر في غير موضعه ، وظاهره شمول كل إنسان ، وقال الزجاج : إن الإنسان اسم جنس يقصد به الكافر خاصة ، كما قال إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ [ العصر : 103 ] ، وقيل يريد أبا جهل والأول أولى . كَفَّارٌ أي شديد كفران نعم اللّه عليه جاحد لها غير شاكر للّه سبحانه عليها كما ينبغي ويجب عليه . عن عمر بن الخطاب قال : اللهم اغفر لي ظلمي وكفري ، فقال قائل يا أمير المؤمنين هذا الظلم فما بال الكفر ، قال إن الإنسان لظلوم كفار ، وقيل ظلوم في الشدة يشكو ويجزع ، كفار في النعمة يجمع ويمنع . [ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 35 إلى 37 ] وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ ( 35 ) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 36 ) رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ( 37 ) وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ أي واذكر وقت قوله ، ولعل المراد بسياق ما قاله إبراهيم عليه السلام في هذا الموضع بيان كفر قريش بالنعم الخاصة بهم ، وهي إسكانهم مكة بعدما بين كفرهم بالنعم العامة . وقيل إن ذكر قصة إبراهيم ههنا لمثال الكلمة الطيبة ، وقيل لقصد الدعاء إلى التوحيد وإنكار عبادة الأصنام . وهذه القصة كانت بعدما وقع له من الإلقاء في النار ؛ وفي تلك لم يسأل ولم يدع بل اكتفى بعلم اللّه بحاله وفي هذه قد دعا وتضرع ؛ ومقام الدعاء أجل وأعلى من مقام تركه اكتفاء بعلم اللّه كما قاله العارفون . فيكون إبراهيم قد ترقى وانتقل من طور إلى طور من أطوار الكمال . رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ أي مكة آمِناً أي ذا أمن إلى قرب القيامة وخراب الدنيا ، وقدّم طلب الأمن على سائر المطالب المذكورة بعده لأنه إذا انتفى الأمن لم يفرغ الإنسان لشيء آخر من أمور الدنيا والدين ، وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية في البقرة عند قوله تعالى رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً [ البقرة : 126 ] والفرق بين ما هنا وما هنالك أن المطلوب ههنا مجرد الأمن للبلد ، والمطلوب هنالك البلدية والأمن . وفي الجمل فسر الشارح البلد هنا بمكة ، وفي سورة البقرة بالمكان فيقتضي أن هذا الدعاء وقع مرتين مرة قبل بنائها ومرة بعده ، ولذلك كتب الكرخي هناك ما نصه